نقل الحروب إلى العالم أسماء قرى ومدن صغيرة، لم يكن يعرفها حتى أبناء المناطق القريبة منها، وتصبح قرى هامشية عناوين بارزة في نشرات الأخبار وعناوين الصحف، ويصبح سكان تلك القرى مجرّد أرقام في كشوفات النازحين، وبيانات منظمات الإغاثة التي تتاجر بأوجاع المعذبين الذين كانوا قبل أن تصل الحروب إلى مناطقهم بالكاد يعيشون ويتنفسون، ويتطلعون، بشغف كبير، إلى ما خلف الجبال التي تحتضن قراهم.
الحرب الانتقامية التي أعلنها الحوثيون، وحليفهم علي عبدالله صالح على اليمنيين، لم تبق مدينة ولا قرية أو عزلة أو بيتاً في طول البلاد وعرضها من دون أن تدخله بوجعها وآلامها، صارت مشاهد التشييع اليوم للضحايا روتينا اعتياديا.
نتائج المقامرة التي قاد أمراء الحروب اليمن إليها، فاجعة، وآثارها قاسية، ويصعب معالجتها على المديين، المتوسط والبعيد، وحجم الدمار يفوق ما يمكن إحصاؤه، وإعادة الإعمار تصبح فكرة غير واردة على البال، وصعبة التحقيق، فالعالم لن يهتم بإعادة بناء ما تدمره الحروب. وبمجرد اشتعال الحرائق، لن يبادر إلا لإطفاء ما يتوافق مع مصالحة، وما يسمح له بالاستفادة من نتائج الخراب، وتحويله لصالح شركات الإعمار.
بلد كان يتكحل بالأمل عقب ثورة فبراير 2011، داعبته حينها أحلام المستقبل الوردية فرحا بالتخلص من حكم استمر جاثما على صدورهم أكثر من ثلاثة وثلاثين عاما، لكنهم لم يتخيلوا لحظة واحدة ما كان يضمره لهم، وهو يوقع على مضض على اتفاق نقل السلطة، برعاية خليجية أواخر عام 2011.
الدمار الأكبر للحرب الكارثية هو ما يتعرّض له المجتمع ونسيجه الاجتماعي ومستقبل التعايش، وهي الجريمة التي بدأها الحوثيون، منذ طرد اليهود من منطقة آل سالم في صعدة مطلع عام 2004، وبعد ذلك تهجير السلفيين من منطقة دماج مطلع عام 2013، إلى ما تلى ذلك من محاولة تطييف الصراع الذي لم يكن إلا في سياق الصراع على السلطة، والاستئثار بموارد البلاد، واحتكار الثروة والسلطة، وتجريف مؤسسات الدولة.
نجح الحوثي وعفاش (علي عبدالله صالح) في وصم البلاد بالإرهاب، وتصوير اليمنيين إرهابيين امام العالم، من خلال ترويج، في وسائل إعلامه، ووسائل إعلام إيران، وناشطيه في المؤسسات الغربية ووسائل الإعلام أنه يخوض صراعا ضد مجتمع تكفيري داعشي، وهو يستخدم تلك المصطلحات لدغدغة مشاعر صانع القرار الأميركي، ويقدم نفسه شريكا له في حربٍ مزعومة وكاذبة، بينما هو يستمر في التغرير بالآلاف من أتباعه بشعار معاداة أميركا، وهو يقدم نفسه لها غليظا لقمع معارضيه، وتدمير مساكن اليمنيين وقراهم، ممن لم يسمعوا يوما غير أصوات أمعائهم الخاوية.
لم يجن اليمنيون من حركة الحوثي الإرهابية غير الموت، وتحولهم إلى أهداف سهلة للجوع والمرض والأوبئة، وقبل ذلك لصواريخ الكاتيوشا وقذائف الهاون والدبابات والألغام التي حصدت أرواحهم قبل أقدامهم.
يحتاج ما ارتكبته مليشيا الحوثي وصالح في حق اليمنيين من جرائم إلى تدخل جاد ومسؤول من العالم، لتسمية الأمور والأشياء بمسمياتها الحقيقية، وتصنيف تلك الحركة وقياداتها وحلفائها حركة إرهابية، تهدّد الأمن والسلام في العالم، ولا أدل على ذلك من زرعها الألغام، واستهدافها حرية الملاحة في المنافذ الدولية، وإرسال مقاتليها إلى سورية والعراق خلال الفترات الماضية، وتواصلها مع المنظمات الإرهابية في العراق وسورية وإيران، وتبادل الخبرات والأسلحة، والعمل على تحويل اليمن ساحة صراع إقليمي ودولي بالوكالة.
لم يعد قرار الإمارات إنهاء مهمة قواتها المتبقية في اليمن مجرّد خطوة تنظيمية في سياق تخفيض انتشار عسكري، بل بات حدثاً سياسياً كاشفاً يُعيد تعريف العلاقة السعودية – الإماراتية في اليمن، ويُعيد ترتيب موقع حلفاء أبوظبي المحلّيين داخل معسكر الشرعية. فالانسحاب (كما تداوله الإعلام الدولي) لا يُقرأ بوصفه "خروجاً" بقدر ما يُقرأ بوصفه انتقالاً من نمط تدخّل مباشر إلى نمط نفوذ أقلّ كلفة وأكثر مرونة، مع إبقاء اليد على مفاصلَ مؤثّرةٍ عبر الشراكات المحلّية والملفّات التشغيلية ذات الأثر السريع.
جاء إعلان إنهاء مهمة القوات الإماراتية المتبقّية في سياق توتّر ميداني وسياسي، تزامن مع ضربة نفّذها التحالف بقيادة السعودية قرب ميناء المُكلّا في 30 الشهر الماضي (ديسمبر/ كانون الأول)، وقالت الرياض إنها استهدفت مسار "دعم عسكري أجنبي" لقوى محلّية في الجنوب. ثم امتدّ التوتّر إلى ملف الطيران وانتهى بإغلاق مطار عدن بقرار من وزير نقل محسوب على المجلس الانتقالي الجنوبي، اعتراضاً على توجيهات حكومية بشأن قيود على الرحلات من الإمارات وإليها. وهذه الوقائع، مجتمعة، تمنح قرار الانسحاب معنىً يتجاوز "إعادة انتشار"، وتدفعه إلى خانة الرسائل السياسية المتبادلة داخل المعسكر الذي يُفترض أنه واحد.
لا يكفي ضبط التوتر مع الشريك الإقليمي ما لم تُعالج الرياض الانقسام داخل الشرعية وتعدّد مراكز القرار
دلالة القرار الأولى أنه يعكس تقلّص مساحة الشراكة السعودية – الإماراتية لصالح إدارة تنافس محسوب، بات يمسّ أدوات الدولة ووظائفها داخل مناطق الشرعية، فالسعودية، بحكم الجغرافيا والحدود واعتبارات الأمن القومي، تتحسّس من أيّ ترتيباتٍ قد تُنتج مركزَ قرار مسلّحاً خارج إطار الدولة في الجنوب أو الشرق، خصوصاً إذا ارتبط ذلك بمنافذ وموارد وقدرة على فرض وقائع ميدانية لا تمرّ عبر مؤسّسات الدولة. بينما طوّرت الإمارات خلال سنوات الحرب مقاربةَ نفوذ تقوم على شراكات محلّية تمنحها حضوراً مستمرّاً في السواحل والموانئ وخطوط الملاحة، حتى مع تقليص الوجود العسكري المباشر. وعندما يحاول هذا النفوذ ترجمة تفوّقه إلى ترتيبات سيادية سريعة على الأرض، تتزايد فرص الاحتكاك، خصوصاً في المحافظات الشرقية.
تتصل الدلالة الثانية مباشرةً بحلفاء الإمارات في اليمن، فقرار الانسحاب يضع المجلس الانتقالي أمام اختبار مزدوج: من جهة، قد يفسّره فرصةً لتعظيم دور الوكلاء المحلّيين داخل مفاصل القرار؛ ومن جهة أخرى، يرفع كلفة أيّ سلوك يُظهر المرافق السيادية أوراقَ ضغط داخل الشرعية، لا خدمات عامّة. تعطيل مطار عدن، في هذا السياق، لا يبدو خلافاً إدارياً، بل هو مؤشّر على قابلية تحويل الخدمات إلى أدوات تفاوض وصراع، وهو ما يُضعف صورة الاستقرار أمام الوسطاء الدوليين الذين يقيسون أهلية أيّ طرفٍ سياسيٍّ بقدرته على التشغيل لا بقدرته على التعطيل.
وبالمثل، ينعكس الانسحاب على تشكيلات أخرى تتقاطع سياسياً ومالياً مع أبوظبي، ومنها قوات الساحل الغربي بقيادة طارق صالح. المشكلة هنا ليست في وجود قوة على الأرض أو في أولوية مواجهة الحوثيين، بل في التموضع داخل شبكة نفوذ إقليمي. كلما اتجهت العلاقة السعودية – الإماراتية نحو تنافس أكثر وضوحاً، ازدادت حساسية القوى المرتبطة بمحور خارجي لتقلبات العلاقة بين الرعاة، وتراجعت قدرتها على تقديم نفسها رافعةً محلّيةً مستقلّةً داخل تسوية شاملة. وفي لحظة إعادة التموضع هذه، يصبح السؤال المطروح على تلك القوى: كيف تبني شرعية محلّية تتجاوز شرعية "الرعاية" الخارجية، وكيف تتجنّب أن تُقرأ أداةً ضمن صراع إقليمي بدل أن تكون جزءاً من مشروع دولة؟
أمّا السعودية، فقرار الانسحاب لا يعني لها نهاية "إشكال الشريك"، بل بداية اختبار أكثر تعقيداً: إدارة الحرب من جهة، وإدارة معسكر الشرعية من جهة أخرى، وتقليل كلفة أي ردّات فعل محلّية قد تستخدم المرافق والإيرادات أدوات ضغط. لذلك، لا يبدأ خفض الكلفة من مستوى التصريحات، بل من تحييد المرافق والخدمات والإيرادات عن الصراع الفصائلي: إدارة مهنية للمطار والميناء والجمارك، رقابة مالية على الإيرادات، ربط أيّ دعم تشغيلي باستمرارية الخدمة وعدم استخدامها ورقةَ ضغط. غير أن هذا المسار سيظلّ ناقصاً ما لم تُعالج الرياض في الوقت نفسه الانقسام داخل مجلس القيادة الرئاسي، وتعدّد مراكز القرار داخل جسد الشرعية. فالسؤال هنا وظيفي: هل ستستمرّ المملكة في إدارة الشرعية ائتلافاً مُتنازِعاً تُضبط تناقضاته من الخارج، أم ستنتقل إلى مقاربة تُعيد مركز الثقل إلى الداخل وتُنتج حدّاً أدنى من وحدة القرار؟ أحد الخيارات الأقلّ كلفة هو إعادة ترتيب العلاقة مع الشرعية على أساس تمكين الحكومة من العمل من داخل البلاد ضمن ترتيبات أمنية وضمانات تشغيلية، وتقليص ازدواج القنوات التي تُضعف السلطة الرسمية، وربط الدعم المالي والسياسي بمعايير أداء قابلة للقياس.
على المستوى الأمني، يصبح توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية (أو إدماجها تدريجياً ضمن هياكل وزارتي الدفاع والداخلية وسلاسل قيادة واضحة) شرطاً لتقليص الفوضى ومنع تحويل القوة المسلّحة إلى أدوات تنازع داخل المعسكر الواحد. هذا لا يعني إدماجاً شكلياً بقرارات ورقية، بل هو مسار عملي يبدأ بتوحيد غرف العمليات، وضبط التمويل والرواتب عبر قنوات حكومية، وتوحيد منظومات الاتصال والانتشار، وإنهاء تعدد الأجهزة في المدينة الواحدة.
لا يغلق قرار الانسحاب الإماراتي ملفّ النفوذ بقدر ما يعيد هندسته: نفوذ أقلّ ظهوراً عسكرياً وأكثر حضوراً عبر الوكلاء والملفّات التشغيلية
وفي حضرموت والمهرة تحديداً، تبدو تداعيات الانسحاب أكثر حساسية، لأن هاتَيْن المحافظتَيْن ترتبطان في الحساب السعودي بمسارات الحدود والمنافذ والموارد. لذلك تبدو سياسة الاحتواء المشروط أقلَّ كلفةً من فتح مواجهة جديدة: منع أيّ تمدّد أحادي بالقوة، دعم ترتيبات أمن محلّية واسعة تحت مظلّة الدولة، تثبيت مسار سياسي واضح لقضية الجنوب داخل عملية سلام وطنية، لا عبر خطوات أحادية تُنتج اضطراباً وتستدعي ردّات فعل.
الخلاصة أن قرار الانسحاب الإماراتي
يُقرأ إغلاق مضيق هرمز عادةً بوصفه أزمة نفطية. غير أن الممر الذي يمر عبره خُمس استهلاك النفط العالمي يحمل أيضاً ثقلاً آخر لا يظهر في نشرات الأسعار: غازٌ يُغذّي مصانع الأسمدة، وأسمدةٌ تُغذّي الحقول، وحقولٌ تُطعم مليارات البشر. حين تتعطل هذه السلسلة، تبدأ صدمة أبطأ وأعمق في التشكّل — صدمة تمتد من محطات تحلية المياه في دول الخليج إلى الأراضي الزراعية في آسيا وإفريقيا، قبل أن تطفو في النهاية على الموائد.
حين أُغلق مضيق هرمز، كان أول ما تحرّكت إليه الأسواق مؤشرَ برنت. قفز السعر، وانطلقت التحليلات تتحدث عن مئة دولار للبرميل، وعن طرق التفافية عبر رأس الرجاء الصالح. غير أن هذه القراءة — على أهميتها — لا تعكس المشهد كاملاً. فهرمز ليس ممراً للنفط وحده؛ إنه عقدة في منظومة أوسع تصل الطاقةَ بالمياه، والمياهَ بالأسمدة، والأسمدة بالغذاء.
تحت سطح أسعار الطاقة تتشكّل طبقة أخرى من الأزمة، أبطأ ظهوراً وأبعد أثراً. تأخذ وقتها في الانتقال من ميناء جبل علي إلى مستودع أسمدة في البرازيل، ومن ثَمَّ إلى حقل ذرة في الهند، قبل أن تُفضي في نهاية المطاف إلى ارتفاع في فاتورة الخبز على موائد مدن لا تعرف موضع هرمز على الخريطة.
المضيق الذي يمر عبره خُمس استهلاك النفط العالمي يمر عبره أيضاً نحو ثلث تجارة اليوريا العالمية، وما يقارب نصف صادرات الكبريت — المادة الأولية لأسمدة الفوسفات.
في أضيق نقاطه، لا يتجاوز عرض المضيق 33 كيلومتراً، وتسلك الناقلات فيه قناتين ملاحيتين محددتين بعناية. في هذا الشريط الضيق يتقاطع جزء وافر من الاقتصاد العالمي:
وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، مرّ عبر المضيق في عام 2024 نحو 20 مليون برميل يومياً، ما يعادل قرابة خُمس الاستهلاك العالمي للنفط، وما يزيد على ربع التجارة البحرية العالمية للنفط. وإلى جانب ذلك، يتدفق عبره نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، وثلث صادرات اليوريا، وقرابة نصف صادرات الكبريت. نقطة جغرافية واحدة تربط بين أسواق الطاقة وأسواق الغذاء في آنٍ واحد.
أولاً: المياه — الهشاشة الوجودية
وصف مايكل كريستوفر لو، مدير مركز الشرق الأوسط في جامعة يوتا، دول الخليج بـ"الممالك الملحية" — وهو توصيف يلامس جوهر معادلة قائمة منذ عقود: مدن حديثة كاملة تقوم على تحويل مياه البحر إلى مياه عذبة. لو يرى أن هذه الدول تُفهم عادةً باعتبارها دولاً نفطية، بينما تعكس حقيقتها منظومة مائية ضخمة تعمل بالطاقة الأحفورية. إنه إنجاز هندسي استثنائي، بالتأكيد، لكنه ينطوي في الوقت ذاته على نقطة ضعف استراتيجية عميقة.
الأرقام تُجسّد حجم هذه الهشاشة. ففي الكويت تأتي 90% من مياه الشرب من محطات التحلية، وفي عُمان 86%، وفي المملكة العربية السعودية 70%، وفي الإمارات 42%. وعلى امتداد الساحل الخليجي تنتشر أكثر من 400 محطة تحلية تُنتج مجتمعةً قرابة 40% من المياه المُحلّاة في العالم.
ما يجعل هذه الأرقام ذات ثقل استراتيجي هو أن محطات التحلية لا تعمل باستقلالية؛ فمعظمها مرتبط عضوياً بمحطات توليد الكهرباء ضمن مجمعات مشتركة. أي اضطراب في منظومة الطاقة ينتقل أثره سريعاً إلى إمدادات المياه، ومنها إلى الحياة اليومية في المدن والمستشفيات والمصافي والحقول الزراعية.
تقديرات اقتصادية عام 2008 حذّرت من أن محطة الجبيل وحدها توفّر أكثر من 90% من مياه الرياض، وأن العاصمة 'ستضطر إلى الإخلاء في غضون أسبوع' إذا تعرّضت المحطة أو بنيتها التحتية لضربة موجِعة.
الباحث نيل كيليام من معهد تشاتام هاوس يصف استهداف منشآت المياه بأنه "تصعيد كبير" يحوّل طبيعة الضغط من الاقتصادي إلى المباشر على الحياة. وهذا ما يميّز الهشاشة المائية عن غيرها: إذا انقطع النفط تتوقف المصافي وترتفع الأسعار. أما إذا انقطع الماء فإن المدن تتوقف.
ثانياً: الغذاء الخليجي — ثمانية أيام ثم ماذا؟
ترتبط الهشاشة المائية بأمن الغذاء ارتباطاً عضوياً؛ إذ تستورد دول الخليج ما بين 80% و90% من احتياجاتها الغذائية عبر البحر. ولمّا كانت كل الموانئ الرئيسية في المنطقة — من جبل علي إلى ميناء الدوحة — تقع داخل الخليج أو قريبة منه، فإن تعطّل الملاحة البحرية يحوّل هذه الدول فعلياً إلى اقتصادات تعتمد على طرق برية محدودة الطاقة.
ثمة تفاوت واضح في درجة التعرّض لهذا الخطر. فقد استثمرت الإمارات في صوامع فجيرة الاستراتيجية — خارج المضيق — بطاقة تبلغ 300 ألف طن من الحبوب، وتعلن السلطات الإماراتية توافر احتياطيات من السلع الأساسية تكفي لأربعة إلى ستة أشهر. في المقابل، تبقى السلع الطازجة في موضع مختلف تماماً؛ إذ تشير تقديرات قطاع اللوجستيات إلى أن مخزون الفواكه والخضروات الطازجة في دبي لا يتجاوز ثمانية إلى عشرة أيام في ظروف الاستيراد الطبيعية.
هذا التفاوت يرسم خريطة واضحة لهشاشة المنظومة الغذائية الخليجية: الحبوب مخزّنة بما يكفل الحد الأدنى من الأمن الغذائي، بينما تعتمد المائدة اليومية على سلسلة توريد سريعة الحركة ولا تتحمّل تأخيراً طويلاً. وحين تبدأ شركات الشحن العالمية الكبرى في تعليق رحلاتها — كما فعلت CMA CGM وMSC حين علّقت حجوزات الحاويات المبردة إلى عدد من موانئ الخليج — تتعطل الحلقة الأكثر حساسية في هذه السلسلة.
ثالثاً: الأسمدة — الصدمة التي تتأخر ثم تضرب
إذا كانت المياه والغذاء يمثّلان الوجه الآني للأزمة، فإن الأسمدة تمثّل وجهها المؤجَّل — الأبطأ ظهوراً والأعمق أثراً.
يمر عبر مضيق هرمز نحو ثلث تجارة اليوريا الدولية وفق بيانات Scotiabank وكيبلر، وما يقارب نصف صادرات الكبريت العالمية — وهو مادة أولية لا غنى عنها في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية. وقد حذّر سفين توره هولسيثر، الرئيس التنفيذي لشركة يارا النرويجية لصناعة الأسمدة، من أن التركيز المفرط على أسواق النفط والغاز "يُعتّم" التأثير الأعمق للأزمة على قطاع الأسمدة، مضيفاً في تصريح لـCNN أن مضيق هرمز "ضروري للأمن الغذائي العالمي" وأن "قرابة نصف الإنتاج الغذائي العالمي يعتمد على الأسمدة".
ا
يمثّل تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى لإيران في أعقاب مقتل والده في خضمّ حرب إقليمية واسعة أخطر انتقال للسلطة في الجمهورية الإسلامية منذ خلافة علي خامنئي لمؤسّسها الخميني عام 1989. غير أن الحالتين تتمايزان في الجوهر: فانتقال 1989 تمّ في فترة هدوء نسبي، بينما يجري الانتقال الراهن في قلب أزمة عسكرية وجودية.
في المدى القريب، يرجّح أن يعزّز هذا الانتقال تماسك المؤسسة الأمنية، لا سيما الحرس الثوري الذي بات العمودَ الفقري للقدرة العسكرية وشبكةَ الاقتصاد السياسي معًا.
لكن صعود مجتبى يفتح في الآن ذاته أسئلةً عميقة حول شرعية الحكم: أسئلة دستورية تتعلق بدور مجلس الخبراء، وأسئلة فقهية حول مكانته في الحوزة، وأسئلة تاريخية حول فرادة نموذج التوريث داخل نظام أقام شرعيته على رفض الوراثة.
النتيجة المرجّحة: نظام أكثر صلابة أمنية على المدى القريب، وأشدّ هشاشةً من حيث الشرعية على المدى البعيد.
أولا لحظة انتقال في قلب الحرب: ما الذي يجعل هذه المرة مختلفة؟
لم تواجه ايران في تاريخها انتقالًا للسلطة العليا في ظروف مماثلة لما شهدناه. فمقتل المرشد الأعلى خلال حرب إقليمية واسعة وضع النظام أمام ما يمكن تسميته "الخطر المزدوج": ضربة عسكرية خارجية، وفراغ محتمل في مركز القرار. وهو توليف لم تختبره الجمهورية الإسلامية في أيٍّ من أزماتها السابقة، من حرب الثماني سنوات مع العراق إلى الاضطرابات الداخلية عام 2009 وما تلاها.
جاء الإعلان عن تعيين مجتبى خامنئي سريعًا، وهو ما يدل دلالة بليغة على أن النخبة الحاكمة استوعبت الدرس الجوهري: أن أخطر ما يهدد النظام في زمن الحرب ليس خسارة معركة، بل اهتزاز مركز القوة.
البُعد الدستوري: مجلس الخبراء، سؤال مغيَّب أم قرار مسرَّب؟
ينصّ الدستور الإيراني المعدَّل عام 1989 على أن مجلس خبراء القيادة - المكوَّن من ثمانية وثمانين عضوًا من رجال الدين المنتخبين - هو الجهة الدستورية الوحيدة المخوَّلة اختيارَ المرشد الأعلى وعزله ومراقبته. وبالتالي فإن أول سؤال دستوري يطرحه الانتقال هو: هل تمّت استشارة مجلس الخبراء أم أن الأمر واقع سبق الإجراءات الرسمية؟
ثمة احتمالان: إما أن الأجهزة الأمنية والمؤسسية أفضت إلى اتفاق مسبق طُرح على المجلس للتثبيت لا للنقاش، وهو ما يعكس هشاشة آلية الدستور في لحظة الطوارئ. وإما أن المجلس تجاوَز دستوريًا لصالح سرعة الانتقال، مما قد يفتح جدلًا قانونيًا داخليًا لاحقًا. كلا السيناريوين يمسّ مبدأ الشرعية الدستورية للنظام.
الدستور الإيراني يجعل مجلس الخبراء المرجعية الوحيدة لاختيار المرشد وجاءت سرعة الإعلان تشير إلى أن القرار اتُّخذ خارج الآلية الدستورية الاعتيادية أو أن المجلس أقرّه في جلسة طارئة مُرتَّبة سلفًا.
ثانيًا رجل الظل الذي خرج إلى الضوء: سيرة مجتبى السياسية
وُلد مجتبى خامنئي عام 1969، وتلقّى تعليمه الديني في حوزة قم، غير أنه لم يبلغ درجة المرجعية الفقهية التي تعني — في التقليد الشيعي — القدرة على إصدار الفتوى بشكل مستقل والاعتراف الجماعي من الحوزة بتقليده. وهذه نقطة جوهرية: فوالده علي خامنئي نفسه واجه هذا الاعتراض عند توليه المرشدية، وحُلَّ الإشكال آنذاك بترقيته إلى درجة الآية الله العظمى في خطوة استثنائية. التاريخ قد يعيد نفسه — لكن في ظروف أشد وطأة.
أما سيرته السياسية فكانت في معظمها خلف الكواليس: مقرّب من مكتب المرشد، حاضر في حلقات القرار المتعلقة بالملفات الحساسة، ومُدار اسمه منذ سنوات كمرشح محتمل للخلافة في التسريبات الأكاديمية والاستخباراتية. بيد أن "القرب من الكواليس" يختلف جوهريًا عن "إمساك زمام المؤسسة".
معضلة التوريث: فرادة في التاريخ الإيراني
قامت الجمهورية الإسلامية في أساسها الأيديولوجي على رفض نظام الوراثة السياسية، وهو رفض موجَّه في جوهره ضد النظام الملكي البهلوي. والمفارقة اللافتة أن انتقال المنصب من الأب إلى الابن — حتى لو أُضفيت عليه الشرعية الدينية والدستورية — يفتح باب التشبيه مع نماذج الوراثة السلطوية في المنطقة، من سوريا إلى كوريا الشمالية، وهو تشبيه لن يُغفله المنتقدون في الداخل والخارج.
الأنظمة التي مرّت بتجربة مشابهة كشفت أن التوريث السلطوي يعيد رسم حسابات الشرعية على المدى البعيد، حتى حين يمرّ بسلاسة في المرحلة الأولى. ففي سوريا عام 2000، استقبل الشارع الانتقال بقدر من الترقّب والتحفظ تحوّل لاحقًا إلى تصدع عميق. في إيران 2026، الشارع الذي حمل ثورات 2009 و2019 و2022 ليس شارعًا مجهول الهوية.
ثالثًا الحرس الثوري: بنية متشققة أم عمود راسخ؟
الخطأ التحليلي الأكثر شيوعًا في قراءة الحرس الثوري هو معاملته ككتلة صماء ذات مصلحة واحدة. الحرس اليوم مؤسسة شاسعة تمتد من العمليات العسكرية في عدة جبهات إلى محافظ الاقتصاد الإيراني، ومن الاستخبارات إلى الإعلام، وهذا التشعب ذاته مصدر قوة ومصدر توتر داخلي في الآن نفسه.
الشقوق البنيوية داخل المؤسسة:
التوتر بين قادة العمليات الإقليميين (سوريا، العراق، لبنان، اليمن) وقيادة الداخل: الأوائل يمتلكون خبرة ميدانية ونفوذًا شبكيًا مستقلًا تراكم على مدى عقدين.
التوتر بين الأجيال: ضباط ما بعد 2000 الذين تشكّلوا في بيئة العمليات الإقليمية مقابل الجيل المؤسِّس المرتبط بذاكرة الثورة وحرب الثماني سنوات.
التوتر الاقتصادي: المجمعات الاقتصادية للحرس (خاتم الأنبياء وغيره) باتت مراكز قوة شبه مستقلة بمصالح قد تتعارض مع التصعيد العسكري المفتوح.
في لحظة انتقال السلطة، هذه الشقوق لا تختفي — بل تُعاد إدارتها. المرشد الجديد يحتاج إلى الحرس، لكن الحرس أيضًا يحتاج إلى غطاء مشروعية يوفّره المرشد. هذا التشابك هو ما يجعل العلاقة بينهما أكثر تعقيدًا من مجرد "تحالف".
الاقتصاد السياسي: النفوذ الحقيقي للحرس
يُسيطر الحرس الثوري على ما يتراوح بين ثلث ونصف الاقتصاد الإيراني من خلال شركاته وتحالفاته وشبكاته. هذه السيطرة تعني أن من يمسك زمام الحرس يمسك — بالمعنى العملي — مفاتيح
في اليمن، الحروب تلد بعضها: ما إن تهدأ جبهة حتى تنفجر أخرى، وتمتد الحرائق من محافظة إلى أخرى في متوالية تستنزف البلد والناس معًا. هذه المرة، يبدو أن النار تقترب من اللاعبين الإقليميين والدوليين بصورة مباشرة، وتطال شريكي التحالف: السعودية والإمارات. فبدل أن ينصبّ الجهد على إطفاء الحريق الأصلي المتمثل بانقلاب مليشيا الحوثي، جرى خلال السنوات الماضية إشعال حرائق أخرى في عدن وحضرموت وسقطرى والمهرة، حتى بات السؤال اليوم ليس عن جبهةٍ جديدة فحسب، بل عن معنى الدولة اليمنية نفسها ومن يملك قرارها.
التصعيد هذه المرة لم يأتِ بالإيحاءات، بل بنصوص صريحة. صدر قرار رئاسي يمني بإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وألزم القرار القوات الإماراتية ومنسوبيها بالخروج من الأراضي اليمنية خلال (24) ساعة، ووجّه قوات «درع الوطن» بالتحرك لتسلّم المعسكرات في محافظتي حضرموت والمهرة. وفي تأكيدٍ على أن الأمر ليس مجرد إعلان سياسي، قالت قيادة وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان اليمنية إنها «مستعدة لتنفيذ المهام الموكولة إليها في ضوء قرارات وإجراءات القيادة العليا».
وبالتوازي، قالت وزارة الخارجية السعودية بوضوح إن دولة الإمارات ضغطت على قوات المجلس الانتقالي الجنوبي لدفعها إلى عمليات عسكرية على حدود المملكة الجنوبية في حضرموت والمهرة، ووصفت ذلك بأنه تهديد للأمن الوطني السعودي وخطوات بالغة الخطورة لا تنسجم مع الأسس التي قام عليها تحالف دعم الشرعية. ثم جاءت الإشارة الأكثر حساسية في روايات التحالف: شحنات سلاح وصلت عبر ميناء المكلا. خطورة هذه النقطة لا تتعلق بميزان القوة في يومٍ واحد فقط، بل بسؤال الشرعية القانونية قبل سؤال الكلفة السياسية.
فاليمن خاضع لنظام عقوبات أممي يفرض حظرًا موجهًا على توريد السلاح لأطراف محددة بموجب قرارات مجلس الأمن، وأي إدخال لمعدات عسكرية عبر الموانئ خارج القنوات الرسمية يضع الدولة والشرعية والتحالف أمام اختبار بالغ الإحراج. وهذه—بحسب رواية التحالف—هي الواقعة التي أمكن رصدها علنًا في المكلا في اليوم السابق، لكنها تأتي ضمن نمط أوسع تحدثت عنه تقارير أممية وحقوقية طوال سنوات الحرب: دعم وتسليح وتدريب تشكيلات محلية لا تعمل تحت سيطرة الحكومة بصورة واضحة، بما يرسّخ اقتصاد السلاح خارج الدولة ويُبقي الصراع حيًا بدل أن يدفعه نحو الإغلاق.
هنا تتضح الصورة: خلافات كانت تُدار في الغرف المغلقة تحولت إلى مواجهة معلنة بين شريكين أساسيين في التحالف، وعلى أرض يمنية مأهولة بالناس، وبمؤسسات لم يعد لديها رفاهية اختبارٍ جديد.
ولم يتأخر الوجه الآخر للأزمة في الظهور: بيانٌ مشترك وقّعه أربعة من أعضاء مجلس القيادة الرئاسي—عيدروس الزبيدي، أبو زرعة المحرمي، فرج البحسني، وطارق صالح—رفض ما صدر عن رئيس المجلس، واعتبره مخالفة لإعلان نقل السلطة وقرارًا يفتقر للسند الدستوري والقانوني. وأكد الموقعون أن لا أحد يملك صلاحية “إخراج” دولة من دول التحالف أو الادعاء بإنهاء دورها، ودافعوا عن الإمارات بوصفها شريكًا رئيسيًا في مواجهة الحوثيين وتأمين الملاحة ومكافحة الإرهاب، محذرين من أن استخدام ما تبقى من مؤسسات الدولة لتصفية حسابات داخلية أو إقليمية يفتح الباب لمزيد من الانقسام والفوضى.
بهذا البيان، لم يعد الخلاف بين أطراف داخل الشرعية فحسب؛ بل صار خلافًا داخل رأسها. قرار سيادي يُقدَّم للناس بوصفه استعادة للهيبة، يتحول في اللحظة نفسها إلى مادة نزاع داخل مجلس القيادة. وهذا ليس تفصيلًا عابرًا، لأن انقسام القمة في بلدٍ ممزق السلاح يرسل إشارة خطيرة إلى القواعد: لكل طرفٍ “شرعيته” الخاصة، ولكل قوةٍ “حقها” في فرض الوقائع. دلالة ذلك أنه يفتح الباب لمسار حرب أهلية طويلة، لا تُدار بشعار الانفصال أو الوحدة وحده، بل بمنطق القوة الموازية للدولة—على نحو يذكّر، من حيث البنية لا من حيث التطابق، بتجربة قوات الدعم السريع في السودان: حين تصبح المليشيا مؤسسة فعلية، وتصبح الدولة عنوانًا متنازعًا عليه، ويتحوّل النزاع إلى استنزاف ممتد تُنتج فيه الجبهات اقتصادها وسردياتها.
فمجلس القيادة لم يولد من مسار سياسي يمني طبيعي يتدرج نحو عقد جديد، بل جاء بترتيب خارجي وبمنطق تجميعي لإدارة التوازنات، فدخل إلى الحكم وهو يحمل تناقضاته معه: تعدد مراكز القوة، وتداخل الولاءات، وتباين الأولويات، وتنافس مشاريع لا يجمعها سوى سقف مؤقت اسمه “الشرعية”.
قراءة هذه التطورات بمعزل عن الواقع اليمني اليوم تُنتج استنتاجات ناقصة. اليمن لم يدفع ثمن انقلاب الحوثيين وحده؛ دفع أيضًا ثمن حرب بلا حسم، وثمن تسويات تُدار لتسكين الأزمات لا لمعالجة أسبابها، وثمن شرعية تحولت تدريجيًا إلى عنوان يعتمد على الخارج أكثر مما يعتمد على أدوات وطنية. وبين حرب لم تُحسم وسلام لم يُبنَ كمشروع دولة، تكاثرت ظواهر يعرفها اليمنيون جيدًا: سلطات متعددة داخل الشرعية، قوات متعددة خارج التسلسل القيادي، ولاءات تتبدل بحسب الممول والغطاء، وسياسة تنكمش إلى مساحة تبرير بدل أن تكون مساحة قرار.
في هذا السياق، يصبح أي قرار سيادي كبير اختبارًا للقدرة لا للنية. لأن السؤال في اليمن لا يكون: ما الذي قيل؟ بل: من يستطيع أن ينفّذ؟ ومن يملك أن يعطّل؟ الدولة التي لا تحتكر القوة ولا تحتكر الإيراد لا تستعيد هيبتها بالبلاغة. تستعيدها بترتيبات عملية، وبمؤسسات تُسأل وتُحاسب، وبقرارات قابلة للتطبيق لا للاستهلاك الإعلامي.
ولهذا تحولت حضرموت والمهرة إلى محور الأزمة. المسألة ليست جغرافيا بعيدة عن صنعاء أو عدن. حضرموت مورد سيادي ومفصل اقتصادي وميناء ومطار، ومساحة يمكن للدولة أن تتنفس منها في زمن الانهيار. والمهرة ليست عنوانًا إداريًا على الخريطة؛ هي خط تماس مباشر مع السعودية، وحساباتها لا تسمح بوجود قوة تتحرك خارج قرار الدولة وبعلاقات خارجية مباشرة. عندما يهتز هذا الخط، لا يبقى الأمر شأنًا محليًا.
الخلاف السعودي–الإماراتي هنا ليس خلافًا في الصياغات، بل خلاف على نموذج النفوذ. السعودية، بحكم الجغرافيا والحدود، تحتاج عنوانًا واحدًا للمسؤولية: مركزًا قانونيًا للدولة يمكن مخاطبته وضبطه—حتى لو كان ضعيفًا—لأن وجود عنوان واحد يقلل المخاطر على الحدود ويُبقي الملف قابلاً للإدارة دوليًا. الإمارات تميل إلى نموذج مختلف: شبكة شركاء محليين يمتلكون الأرض فعليًا ويضمنون نفوذًا مستقرًا في مناطق محددة، خصوصًا في الجنوب والسواحل. كان يمكن لهذا التعايش أن يستمر لو بقيت خطوط النفوذ متباعدة، لكن تمدد الصراع إلى حضرموت والمهرة يعني الاقتراب من خط أحمر سعودي، وهو ما انعكس في توصيف الرياض للأمر بأنه تهديد للأمن الوطني.
المشكلة أن هذين النموذجين—كما طُبّقا خلال العقد الماضي—لم يخدما فكرة اليمنيين في استعادة دولة غير منقوصة السيادة. النتيجة العملية كانت تثبيت واقع “الدولة المعلّقة”: مركز قانوني ضعيف، قوة فعلية موزعة، وقرار سياسي يتشكل خارج المؤسسات. ومع هذا المسار تآكل البعد الأخلاقي في التعاطي مع اليمن: تعطيل الحياة السياسية لصالح إدارة الولاءات، إطالة أمد النزاع عبر إدارة توازنات قصيرة المدى بدل معالجة أسباب الانهيار، ودفع الصراع تدريجيًا نحو طابع أهلي واستنزاف طويل الأمد يدفع ثمنه المجتمع—في الرواتب والخدمات والأمن اليومي—بينما تتبدل أدوات النفوذ ولا تتبدل معادلة الدولة الغائبة.
ووسط هذا التنافس يدفع اليمنيون ثمنًا مركبًا. تظهر هنا اختلالات بنيوية في المقاربة الإماراتية داخل اليمن، تُقاس بنتائجها على الدولة لا بالشعارات. في مقدمتها دعم وبناء تشكيلات مسلحة خارج هياكل وزارتي الدفاع والداخلية، بما أنتج ازدواجًا دائمًا في السلطة وفتح الباب لصدامات داخل معسكر الشرعية نفسه. ومنها تغليب منطق السيطرة على عقد الجغرافيا—الموانئ والممرات والسواحل والجزر—بوصفها أدوات نفوذ، بما ربط الأمن المحلي بحسابات إقليمية وأضعف القدرة السيادية للدولة على إدارة منافذها ومواردها. ومنها تعطيل مشروع استعادة الدولة عمليًا عبر إبقاء المؤسسات بلا احتكار للسلاح وبلا وحدة قرار، بحيث تُدار السياسة عبر وكلاء قادرين على فرض الوقائع ثم المطالبة بشرعنتها. ولا يمكن فصل ذلك عن محطات شهدت استهدافًا مباشرًا لقوات حكومية أو صدامات معها، وهي لحظات تركت أثرًا عميقًا لدى اليمنيين لأنها مسّت فكرة الجيش الوطني الواحد في أساسها.
تفكيك السياسة اليمنية لم يكن أثرًا جانبيًا للحرب فقط؛ بل تحول في كثير من الأحيان إلى أداة لإدارتها. الأحزاب والقوى السياسية عوملت بوصفها عوائق أو أدوات، لا بوصفها تمثيلًا اجتماعيًا. شُيطن بعضها بسرديات جاهزة، وأُعيد تأهيل بعضها الآخر وفق الحاجة. وحين تضيق السياسة يتوسع السلاح: تتشكل قوات وتشكيلات متعددة الأسماء، تنمو حيث تتراجع الدولة، وتتنافس حيث تغيب المرجعية، وتتحول الشرعية إلى مظلة اسمية لا تحتكر القوة ولا القرار ولا الإيراد.
هذه هي البيئة التي جعلت من حضرموت والمهرة اختبارًا لما تبقى من فكرة الدولة. المجتمع الحضرمي يريد أن ينجو من نموذج تعدد الأجهزة والتشكيلات الذي يخلق صراع صلاحيات ويُنتج أمنًا هشًا وإدارة متنازعة. والمجتمع المهري لا يريد أن يتحول خط الحدود إلى ساحة رسائل متبادلة. هنا، حين تُغلق مرافق وتتحرك تشكيلات، لا يكون الأمر مجرد نزاع محلي؛ إنه إعادة توزيع للقوة داخل الشرعية نفسها، وتغيير لميزان النفوذ الإقليمي في منطقة لا تحتمل ارتجالًا جديدًا.
إذا كان السؤال اليوم: ماذا تمتلك السعودية والإمارات من أدوات ضغط؟ فالإجابة في مفاتيح التأثير الفعلية. السعودية تمتلك الغطاء السياسي للتحالف وإدارة شرعيته، والقدرة على استخدام أدوات ردع عند الضرورة، والتأثير على المنافذ والحدود والفضاء الجوي في مناطق نفوذ الشرعية، والقدرة على توجيه التمويل والدعم اللوجستي ورواتب قطاعات واسعة بصورة مباشرة أو غير مباشرة. كما تمتلك مسارات الوساطة وتسويقها، وتملك في النهاية وزن “المقرر” داخل بنية التحالف.
الإمارات تمتلك أدوات من نوع آخر تقوم على الشبكات أكثر مما تقوم على العناوين: نفوذ متجذر عبر شركاء محليين، قدرة تمويل وتسليح وتدريب وتقديم دعم تشغيلي، حضور مؤثر في الموانئ والسواحل وملفات الأمن، نفوذ إعلامي ودبلوماسي يعيد صياغة السرديات، وقدرة على المناورة عبر الاستثمار الاقتصادي والإنساني. هذه الأدوات لا تُعلن كلها، لكنها تظهر عندما تُختبر الدولة الهشة على الأرض.
سيناريو التصعيد يتوقف على سؤال واحد: هل ستُترجم هذه القرارات والبيانات إلى وقائع منضبطة تقلل المخاطر، أم إلى سقوف عالية تفتح الباب لاشتباك؟ هناك ثلاثة مسارات تبدو واقعية. الأول احتواء سريع تقوده السعودية: ضبط الوكيل، وقف التحركات الأحادية، وصياغة تسوية تعيد توزيع المواقع في حضرموت والمهرة دون تفكيك بنية النفوذ نفسها. الثاني احتواء بارد طويل: لا حرب شاملة، لكن تآكل إضافي للمركز القانوني للشرعية، واستمرار إدارة المحافظات كأقاليم نفوذ، وتعمق أزمة الخدمات والرواتب، مع بقاء الأزمة قابلة للاشتعال في أي لحظة. الثالث—وهو الأخطر—صدام محدود يتوسع: اشتباكات حول المعسكرات والمرافق، انقسام داخل مجلس القيادة، وتحول الشرق إلى ساحة استنزاف مفتوحة، بما يمنح الحوثيين مكاسب سياسية واستراتيجية مجانية.
وتكتسب المقارنة مع السودان معناها هنا بوصفها دلالة سياسية لا أكثر: عندما تصل دولة منهكة بحرب داخلية إلى حد نقل الصراع من ساحة الداخل إلى ساحة الاتهام الخارجي ضد طرف إقليمي متهم بدعم خصم مسلح. السودان ذهب بعيدًا في التدويل القانوني والسياسي: خطاب تصعيدي، ثم قرارات سيادية، ثم مسار قانوني أمام محكمة العدل الدولية. في اليمن، المسار مختلف لأن الخصومة تُدار داخل بنية تحالف قائم تقوده السعودية، ما يجعل أدوات الضغط أقرب إلى التشغيل الميداني والتمويل والشرعية التحالفية، لا إلى المحكمة وحدها. لكن القاسم المشترك واحد: الاتهام الخارجي يُستخدم أيضًا لإعادة ترتيب الاصطفافات الداخلية وتبرير إجراءات استثنائية، ونجاح هذا الخيار لا يُقاس بحدة الخطاب، بل بقدرة الدولة على التنفيذ وبناء بديل مؤسسي يعيد احتكار السلاح والقرار.
ولهذا يعود اليمن إلى عقدته الأساسية: لا معنى لأي تصعيد إذا لم يفتح طريقًا لاستعادة حقيقية للقرار الوطني داخل مؤسسات الدولة. المشكلة ليست فقط في تبادل الاتهامات بين الرياض وأبوظبي، بل في نموذج إدارة اليمن الذي حوّل الدولة إلى شرعية معلقة، والسياسة إلى واجهة، والنخبة إلى جزر تبحث عن رعاة، والمجتمع إلى دافع دائم للفواتير.
اليمن لا يحتاج إلى رفع السقف ثم تركه يهبط في صفقات مغلقة. يحتاج إلى تغيير سردية العقد الماضي: استعادة الفعل السياسي اليمني من الوكالة، بناء مؤسسة واحدة للسلاح، اقتصاد واحد للإيراد، ومركز قرار واحد للمساءلة. بدون ذلك، ستظل القرارات السيادية أخبارًا عاجلة بلا أثر، وستظل حضرموت والمهرة ساحة اختبار، وسيظل الحوثي المستفيد الأول من انقسام خصومه، وسيظل اليمنيون يدفعون ثمن أخطاء الآخرين وطموحاتهم—بالأسماء نفسها، وبالخسائر نفسها، وبالمعنى نفسه.
- كيف عمل اللوبي الإماراتي على نقل النقاش من استعادة الدولة إلى إدارة الانقسام؟
- أحمد الزرقة يكتب عن قناة "بلقيس".. البدايات وبصمة توكل كرمان ولحظات الوداع
- شبكة الضفتين: آلة نفوذ إماراتية بخمسة مفاتيح على سواحل اليمن والقرن الإفريقي (تحليل خاص)
- أحمد الزرقة يكتب لـ "الموقع بوست" عن: الحوثيون والسلام الأكثر خطورة من الحرب والتفاعلات الداخلية للجماعة